أحمد بن سهل البلخي
533
مصالح الأبدان والأنفس
أحد إلا وقد مرّت به أحوال مكروهة قاساها ، ووجد نفسه قبل وقوعه فيها من الإشفاق والوجل في هيئة لم يجدها في مثلها عند اندفاعه إلى تلك الحالة ، وتربّطه « 1 » إيّاها ، فيعلم أنّ أحواله فيما يستأنف من المخاوف التي تستقبله شبيهة « 2 » بأحواله فيما مرّ به منها ، وكذلك يأخذ هذه العبرة من أحوال / غيره في المكاره التي نالت أقواما فاحتملوها ، وهان عليهم ما قاسوا منها ، فإنّه يجد الحكم فيه مستمرّا على جهة واحدة ، فإنّ تفكيره في هذا الباب ممّا يعينه على صرف آفات الخوف عن نفسه . ومنها أن يعلم أنّ الشيء المخوف إذا كان ممّا يطمع في الاحتيال لصرفه ، فإنّ استشعار الإنسان الخوف الشديد ممّا يدهشه ويحيّره ويمنعه من طلب حيلة لدفعه ، فيجتهد في ألا يمكّن من نفسه شيئا يكون هو سبب وقوعه فيما يخافه ويحذره . ومنها أن يستظهر على نفسه في دفع آفة الخوف عنها بقوّة الغضب ، وهو أن يفكّر في أنّ إظهار الخوف والفزع من خور النفس وفشلها ، وأنّه أمر خاصّ لضعاف الأنفس من النساء والصبيان وأشباههم ، فيغضب على نفسه ، ويأنف لها من أن توجد « 3 » عند حضور المخاوف في مثل أحوال الذين لا يوجد عندهم جلادة ولا صرامة ولا استقلال بالمكاره الواقعة ، / والشدائد النازلة ؛ فإنّه لا سلاح للإنسان أبلغ في هذا الباب وأغنى عنه من استعانة بقوّة الأنفة ، فقد علم أنّها هي التي تشجّع قلوب الذين يمتحنون بعقوبات الملوك والسلاطين من أهل الأحداث والجرائم ، وتحملهم على الصبر العجيب ، واحتمال الآلام القويّة المتلفة ، وترك التّضوّر منها .
--> ( 1 ) في ب : وترتبطه . ( 2 ) في أ ، ب : شبيه . والصواب ما أثبت . ( 3 ) في ب : يوجد .